Sunday, September 28, 2014

عن أحلى ساعتين في السنة كلها





شهور وهي تحارب ذاتها، تارة تنتصر وتارة أخرى تنهزم. تتجنب كل الأشخاص الذين تعرفهم والذين لا تعرفهم، تتقوقع داخل نفسها في زاوية صغيرة كل ليلة في غرفتها غالقة كل أبواب الأمل كما تغلق باب غرفتها بهدوء ويأس. مرت عدة أشهر وهي بتلك الحالة حتى صادفت في أحد الشوارع لوحة إعلان  تحمل تاريخ 27 سبتمبر، حفلة لفرقتها المفضلة. مرت الأيام ببطء وهي تنتظر مجيء هذا اليوم. كان يومًا شديد الحرارة ورطوبة عالية ومع مرضها لم تستطع النزول، هاتفتها إحدى صديقاتها صدفة، وأجمل الأمور التي تحدث في حياتنا صدفة. قالت لها أنها كانت تنوي الذهاب لكنها تراجعت وقررت المكوث في المنزل، إلا أن صديقتها قالت لها لو تستطيع الذهاب فلتذهب حتى لا تشعر بالندم.

خلود تحمل روح الطفلة بداخلها على الرغم من تجاوزها الخامسة والعشرين من العمر، قررت أن تعتمد على حظها، فقامت بعمل "حادي بادي" لعبتها المفضلة في الطفولة للاختيار بين الأشياء حينما تحتار. وقع الحظ على الذهاب، فلم تمر نص ساعة حتى تركت المنزل وذهبت في طريقها للحفلة.

تناست كل شيء في تلك الحفلة، الدنيا بمسؤوليتها وروحها العقيمة، الناس بمكرهم ذو الأوجه المتعددة، حتى نفسها التي بين أضلعها بتناقضاتها وصراعاتها، تناست كل شيء ولم يكن يشغل عقلها سوى الغناء وفمها يردد بصوت يكاد يسمع أغاني الفرقة. مرت الساعتين حتى عادت لعالمها المعتاد المليء بالضجة وإن كان صامتًا، إلا أنها تلك المرة لم تبالي، فكانت تلك الساعتين كفيلتين بتغيير مزاجها العام والذي على غير المعتاد استمر لعدة أيام، فلم تمتلك حينها نفسها من اتخاذ القرار في الذهاب مرة أخرى الشهر القادم لحضور حفلة أخرى.

Saturday, May 17, 2014

There is nothing!





أنا مش بس شاطرة في إني بعمل من بنها .. لأ أنا ممكن أكون بنها ذات نفسها !

Wednesday, May 7, 2014

Being a gal is shit!


تصوير: ساره حسين

Being a gal is shit! "Full stop"

Monday, April 21, 2014

ريمي - قصة قصيرة - الجزء الثاني






ذهبت ليلتها ريمي إلى البيت وأغلقت على نفسها الباب، ظلت مستيقظة حتى الفجر، وكانت صوت آذان الفجر بصوت محمد رفعت الذي صُدر من هاتفها ما جعلها تقوم لتناجي ربها. لم تجد نفسها تقول شيء سوى تلك الكلمات القليلة وهي تبكي "
يا رب، أنا هسيب نفسي لحضرتك على قد ما أقدر في الموضوع ده، أنا آسفه إنها متأخرة وآسفه لو اللي جوا مني ده سوء ظن أو شك. فعلا ماقصدش. أنا بس خايفة. مش عارفه ازاي مش قادرة أسيب نفسي لحضرتك في الموضوع ده ورغم كده بقول يارب طمن خوفي. أنا عارفه إن ده تناقض فأنا آسفة بجد، وحضرتك أصلا أعلم بي من نفسي وعارف إن كلي تناقضات وصراعات. 
يا رب انهارده فعلا أول خطوة ليا وبصدق نية إني أحاول وأجاهد نفسي على قد ما أقدر في الموضوع ده، فيا رب خد بايدي ليك بحنية وحضرتك أحن حد أنا عارفه. ويا رب طول ما إيدي مع حضرتك ماتخلنيش أسال عن رجليا فين. يا رب أنا عارفه إن حضرتك بتسير عبادك سواء شاءوا أم أبوا فيا رب خليني أكون راضية إن حضرتك اللي بتختار لي وأنا نفسي راضية ومطمنة. يا رب أنا هحاول فيا رب ساعدني. يا رب ماجيش في يوم خوفي يزيد عن حده ويزيد عن ثقتي في حضرتك تاني فارجع وأبقى وحشة. يا رب إديني الأمل فيك. يارب".

* * *

هاتفته ريمي في صباح اليوم التالي وقالت له:
خوفي على مدار السنين اللي فاتت دي كانت بالنسبالي هي الحصن اللي بستخبى فيه. حاولت كتير قبل كده إني أخرج منه وفعلا خرجت، بس لما خرجت لاقيت نفسي بقع وفاقدة الثقة في نفسي، فكنت برجع جوا منه تاني. مش هنكر إنك أكتر واحد تعلقت بيه من اللي صدتهم، ومش هخبي عليك كمان إن أحيانا النص التاني اللي جوا مني اللي بيقول لازم هتيجي في يوم وهتتجوزي كان بيقولي إني ممكن أقبل الجواز من واحد ممكن يكون عنده نفس مخاوفي عشان يقدر يفهمني ويستعوبني ويحتويني. طبعا وقتها ماتخيلتش إنه يكون في شباب كتير كده، بس أهو اديني وقعت في واحد منهم.

قالت آخر جملة بابتسامة خجولة.

- انا مش مستعجل يا ريمي. أنا فاهم ومقدر جدا اللي انتي فيه لأن أنا كمان خايف زيك، يمكن مش بنفس القدر بس عشان كده إحنا الإتنين لازم نصبر على بعض، وصدقيني هنوصل مع بعض.
قالها بابتسامة فابتسمت هي الأخرى.

* * *

6/4/2037
  الحب وحده هو الذي يٓفطُر القلوب" صدقت أثير عبد الله النمشي حينما قالت ذلك في روايتها أحببتك أكثر مما ينبغي. تقوقعت ريمي داخل نفسها وضمت قدميها على صدريها على الأرض حينما تذكرت تلك الجملة. أنطفا نور العالم أمام عينها وهي تجهش بالبكاء حتى لم تعد ترى ولو بصيص أمل صغير وكفرت بما قاله محمود درويش حينما كتب "وبي أمل يأتي ويذهب، لكن لن أودعه".

* * *

عادا معًا مع والدها من باريس في بداية يوليو من عام 2028. تقدم لخطبتها بعد عودتهما بأسبوعين وظلا مخطوبين حتى أعلنا يوم فرحهما، يوم 3/3/2030. جاء اليوم الذي كانت تخافه ريمي إلا أنها لا ترهبه الآن، فقد استطاعا معًا على مدار ما يقرب من عام ونصف أن يشد زياد من أذرها ويشعرها أنها قوية وهي تحبه، لم يشعرها يومًا بضعف أو قلة ثقة في النفس، وكان يستمد هو قوته منها عندما كان يراها هي ثابتة دون تلعثم. اختارت ريمي أقرب صديقاتها رضوى لتكون لها bridesmaid.

على مدار سبع سنوات عاشت ريمي أسعد سنوات حياتها. لم تخلو من الخلافات والمشاكل سواء بسبب تربية ولاء ومصطفى والميزانية الاقتصادية للبيت وغيرها من المشاكل التي يمر بها أي منزل، إلا أن تلك المشاكل أكسبتها خبرة في الحياة ولم تكن إلا ليُزيد حبها لـ زياد، رفيق عمرها وشريك دربها. لم يمر عيد زواج أو يوم ميلاد أو عيد أم إلا وتذكرها. لم تكن هداياه فخمة بقدر ما كانت بسيطة، فبرغم حياة ريمي المرفهة التي كانت ولازالت تعشها إلا أنها تعشق البساطة. بسيطة في "مكيجها"، ملبسها، تجهيز بيتها، حتى في تربية أولادها، تعلمهم عدم التكلف، وأن يكونوا عفويين وبسطاء مع الاعتزاز بالنفس واحترامها، فهي لم تنسى مقولة الأمريكي Dorothy Nolte المستشار الأسري حينما كتب "إذا عاش الطفل في جو من الرضا، تعلّم أن يرضى بذاته". تعلم ريمي مدى المسئولية التي تحملها على عاتقها من تربية الأولاد لذلك حضرت الكثير من دوارات تربية الأطفال. ريمي لا تعرف أنصاف الأمور، "أنا إما أجيب أطفال وأربيهم بالشكل الصح أو ماجبهمش للدنيا دي مدام مش هكون مُلمة عن كل اللي يناسبهم واللي مايناسبهمش، فـ The world is hard enough as it is.


* * *

صباح يوم الثلاثاء 3 مارس سنة 2037، خرج زياد لعمله، أمام المرآه تقف ريمي أمامه تربط له ربطة العنق، وفي هذا اليوم ارتدى بدلة تتناسب مع لون ربطة العنق الزرقاء المفضلة لدى ريمي، فهو يعلم كم تعشق اللون الأزرق. أوصلته إلى باب المنزل، وضعت قبلة على جبينه وشاهدته وهو ينزل السلم حتى ركب سيارته. أتفقا في هذا اليوم أن يقيما سهرة رومانسية في المنزل على ضوء الشموع. ظلت طوال فترة عمله هذا اليوم في المطبخ تحضر له ما يشتهي من الطعام، وبالطبع لم تسنى أن تحضر له الأرز باللبن، الـ dessert المفضلة له.


في السادسة والنصف مساء رن الهاتف الخاص بـ ريمي عدة مرات ولكنها لم تسمعه. عادت لغرفتها في السابعة ورأت أكثر من 50  مكالمة لم ترد عليها، همت أن تتصل بالرقم إلا أن الرقم ظهر لها. أجابت وهي تشعر بارتياب وقلق، فمن ذا الذي سيتصل عدة مرات هكذا إلا وكانت كارثة!

جاء صوت رجل على الهاتف
- مدام زياد؟
- أيوة، في إيه؟
- زوجك عمل حادثة وفي العمليات دلوقتي

أسقطت الهاتف وكانت في سباق مع الزمن لتصل إليه، حاولت بقدر إمكانها أن تتفادى الزحام لتصل إليه قبل فوات الآن، ولكن كان الأمر قد قُضي. وصلت بعدما أغلقت الهاتف بنصف ساعة، وما أن وصلت للمستشفى أصبحت غير مرتكزة وتحاول أن تصل إليه، لم تجد من يعيرها بعض الاهتمام ليُعلمها بمكانه، حتى أجابتها إحدى الممرضات على مضض عن رقم الغرفة.

وصلت أمام باب غرفة العمليات لتجد أمامها دكتور يخرج، سألته عن حالة زوجها فأتت الإجابة مفجعة لقلبها، لم تتمالك نفسها، فانخفض ضغط الدم فسقطت على الأرض.

* * *





 
استيقظت لتجد بجوارها أمها ووالدها ووجههما شاحب يكاد يُقرأ عليه أي ملامح. لم تنبس ريمي ببنت شفة سوى أنها انكسرت وأجهشت.

* * *

عادت للمكان الذي كان مليء بالنور، إلا أن نوره رحل برحيل مصدره. ذهبت لغرفتهما، ونامت في مكانه على السرير ولم يسعفها سوى البكاء المتواصل حتى شعرت بورقة صغيرة تحت الوسادة. جفت دموعها الغزيرة وحاولت أن تقرأ ما فيه، كان حجز لشخصين في Jayda Lounge بفندق الكونراد على النيل بمناسبة عيد زواجها السابع، مع فرقة موسيقية تعزف على البيانو أرق كلاسكيات مقاطع بيتهوفن. تعشق ريمي آلة البيانو فهي المفضلة لديها، تشعر بروحها تحلق في الفضاء خارج الكون عندما تستمع لتلك الآلة. أراد زياد أن يفاجئها بأرق سهرة رومانسية في أفخم فنادق القاهرة. لم تحلق روحها حينما قرأت الورقة، فكيف تحلق الروح إلى السماء وقد رحلت مع رحيل الحبيب؟ الذي كان يأخذ بيدها للفضاء تحت التراب الآن ولم يعد في استطاعتها أن تُحلّق، فقط يمكنها أن تلحق به تحت التراب.

تذكرت فيلمها الكرتوني المفضل، تذكرت Ellie التي ماتت وتركت Carl خلفها، إلا أنها لم تتوقع عكس ما حدث في الفيلم، لم تتوقع أن تحصد النهاية روح زوجها.

* * *

مر ثلاثة أشهر على الحادث، ولم يكن يزال قلبها ووجها قبل ملبسها مطلي بالسواد، فحينما رحل زياد انتباها حزن عميق بل ورغبة في الغرق في هذا الحزن. رغم ذلك حاولت أن تظل متماسكة وتختبئ خلف درع الصلابة كما فعلت عند وفاة أخيها الأصغر، لكنها لم تتمالك قواها. لم تعد ريمي تستطيع أن تتظاهر بالقوة وهي بداخلها أضعف من القارورة. زجاج هش أنكسر لحظة ما ارتطم بالأرض وأصبح من المستحيل تجميع أشلاءه، ومهما حاولت جمعه ستظل الندوب بارزة.

أغرقت نفسها في تربية ما بقيَ لها من وصال له في هذه الدنيا، وظل ولائها له ولم تتزوج بعد وفاته لأنه هو الرجل الذي اصطفاه الله لها في هذه الدنيا.

* * *

أصبحت ريمي على حافة الأمل، وهي الفرصة الأخيرة لها، إما أن تنقذ نفسها أو تستسلم فتسقط إلى البؤس والشقاء بلا رجعة. لم تنتهي ريمي أبدًا من حزنها المدفون ولا من صراعاتها المكنونة بعدما سقطت إليهما، فقلبها مشبع بحبه ولا يوجد لقلبها فرصة للنجاة وفي تلك الغرفة المظلمة التي تحملها بين ضلوع صدرها زحام لا يسعه فضاء. روحها شاخت وهي لم تكمل عقدها الرابع بعد، فهي التي من أجله كسرت قاعدة ظلت عقد كامل تخاف منها أصبحت الآن وحيدة، أصبحت غير متزنة أكثر مما كانت تخاف لو كانت وقعت في الحب. أصبحت ضريرة لا ترى من دونه أكثر مما يستطيع الحب فعله في البشر، فالموت يُعمي القلوب أكثر من غيره، ولا زالت نفسها تجزع حينما تذكر التفاصيل.

ريمي - قصة قصيرة - الجزء الأول





ها هي ريمي تُزف إلى عريسها زياد
. ريمي التي تبلغ من العمر الآن ٣٠ عاما، أصبحت عروسة بعد رفضها لمبدأ الزواج الذي دام لأكثر من عشر سنوات.

* * *

تعيش الآن حياة سعيدة مع ابنتها ولاء وابنها ومصطفى. سمتها ولاء لتقول لزوجها أنها تظل ولاءً له، ومصطفى لأن الله اصطفى لها زياد عن دون الرجال كلهم لتتزوجه. سبعة أعوام كان عمر زواجها، فهي التي أصبحت تعشق الحياة الزوجية مع زوجِها ولم تتوقع أن يوجد شخص ملائكي مثله على الأرض، حتى أتى هادم اللذات ومُفرق الجماعات.

* * *

ولدت وتربت في أرقي أحياء القاهرة، الزمالك. كان يوم مولدها يوم مميز فولدت يوم ٢ شهر ٢ مع بداية الألفية الجديدة. لم تكن تعلم أنه ليس فقط يوم مولدها هو المميز، بل أيضًا التاريخ الذي ستتزوج  فيه. تعودت ريمي منذ الصغر على الرفاهية الزائدة، لا تذهب إلي مدرسة اللغات أو الجامعة الفرنسية بالقاهرة إلا بسائق في سيارتها "الأودي" الزرقاء التي اشتراها لها والدها عندما بلغت الثامنة عشر. تتقن أربع لغات، الانجليزية، والفرنسية، والأسبانية، والأسترالية، وبدأت منذ عدة أشهر في تعلم الصينية والتركية.

لم تتقن ريمي هذه اللغات فقط لأنها تعشق تعلم اللغات، بل لأنها سافرت إلي الدول التي تتحدث تلك اللغات. فوالدها ذو المنصب الكبير والحيثية التي يتمتع بها كونه يعمل في الخارجية جعله يزور أكثر من ٥٠ دولة حول العالم وكانت هي ترافقه مع أمها وأخوها الأكبر منها بخمس سنوات. كانت تسافر كل سنة خارج مصر لمدة ٣ سنوات، وكانت أكثر الدول التي تعلقت بها هي باريس، وكيف لا وهي مدينة الرومانسية؟!

* * *



ريمي تغني للحب ولكنها تلعنه إذا وقعت فيه، تعشق سماع أشعار نذار قباني وقراءة كتب أحلام مستغانمي وغادة السمان، لكنها لم تكن تعلم أن زيارتها لباريس مرة أخرى سيغير مسار حياتها.

* * *

قررت ريمي أن تبقى بمصر  لتكون مع والدتها التي مرضت في بداية دراستها الجامعية. تخرجت من كلية اللغات التطبيقية وطوال فترة الدراسة التي دامت أربع سنوات حاول العديد من الشباب كسب قلبها. فـ ريمي رغم كونها "دلوعة البيت" إلا أنها كريمة جدا سواء بالمال أو الوقت أو الجهد، بالإضافة لوفائها وإخلاصها لجميع من عرفت، فأحبها الجميع. وكان لجمالها البريء عامل رئيسي لدى زملائها ليقعوا في إعجابها. هي ليست بشقراء، إلا أن شعرها البني الفاتح الطويل مع عينيها الرماضي والنمش على وجهها زاد من براءتها وجمالها. طوال فترة الدراسة ظلت تغلق باب الحب أمام قلبها، بل وتصفعه إذا ما شعرت بأنها في حالة إعجاب بأحد الزملاء. تخاف من تحمل المسئولية وليست بقادرة على احتواء أحد، ليس بغرور إنما بسبب عدم قدرتها على التعبير عما بداخلها أو إظهار مشاعر الحب والتعاطف، بل والأكثر من ذلك أن هذا كله عندها يرمز إلى الضعف. مازن زميل الدراسة أكثر شاب ظلت تجاهد ضده، فاستغرقت أكثر من عام ونصف حتى تستطيع أن تُميت قلبها نحوه.

قال لها ذات يوم: ريمي.. انتي ليه بتهربي كده؟ أنا معجب بيكي وأنا حاسس إنك برضه معجبة بيا.
احمرت وجنتيها ولم تنظر إلي عينه وهي تقول: مصطفى أنا وأنت ممكن نكون لايقين على بعض بس ده مش معناه إننا نفع نكون لبعض.
 - ليه؟
- عشان أنا فيا عيوب
كانت مجرد إجابة ساذجة تحاول الهروب بها من المأزق التي وقعت فيه
-  كلنا فينا عيوب، وزي ما فينا عيوب فينا مميزات.
- عارفه بس مين ده اللي ف الدنيا دي يستحق إني عشانه آ give up عن راحتي وبيت أهلي ومستقبلي وأقرص له وقتي وحياتي والأهم نفسي؟ أنا شخصيا مش شايفه إنه فيه ولا عايزه يكون فيه.
- يعني.. يعني ايه؟
يعني أنا رافضة مبدأ الحواز، والجواز كله على بعضه كده package .. take it or leave it .. وزي أي حاجه في الدنيا لها حلاوتها ووحشها، يبقى الفيصل في الموضوع كل واحد شايف إيه يغطي على إيه، وأنا شايفة إن السلبيات أكبر. حاول تنساني.

لم تعطيه فرصه ليرد عليها، فمجرد أن أنهت كلامها تركته خلفها ورحلت، وكانت تلك أول مرة تبوح فيها ريمي لأحد دون أهلها أنها ترفض الزواج. تركت قلبه ينكسر، وبالرغم من حزنها على عما فعلت إلا أنها لم تكن مستعدة أن تقوم بفعل يغير مسار حياتها كُليًا فقط لتُرضي أهلها وتسعد رجل، وتظل هي تعيسة. لم يكن يعلم أحد سوى ربها التي تناجيه كثيرا عما يدور بداخلها، أنها تفضل أن تكون وحيدة عندما تكبر على أن تكون تعيسة، لأنها تعلم أن الحب لا يدوم بعد الزواج وأن دوامة الحياة ستأخذهم في ساقية يلفون هم حولها مما يولد المشاكل، ولم تكن هي من النوع الذي يستطيع أن يتحمل أو حتى يطيق كلمة "مشكلة" أو "ألم". تتجنب كل ما هو له علاقة بهاتين الكلمتين. تعلم أنه مستحيل أن تتجنبهما في كل أمور حياتها ولكنها تتجنبها بكل حرص في أمر الزواج لأنهما مقترنين بالزواج أكثر من أي شيء.

تتذكر دوما فيلم الكرتون المفضل لديها وهو up، قصة ذلك الرجل الذي عشق زوجته وكبرا معًا حتى واصلا إلى أرذل العمر، تتمنى أن تعيش حياة سعيدة مع رجل حتى يشيخا معًا، إلا أنها تخشى الغيب، فما كان منها إلا أنها دفنت تلك الأمنية تحت التراب.

* * *

قالت لها صديقتها المُقربة رضوى بابتسامة حب ذات يوم: عايزين نشوفك بتحبي بقى؟
ارتبكت وقالت في نفسها: بيقولولي عايزين نشوفك تحبي، وأنا بقول مالكوش دعوة بيا لأني لا أفقه شيء في المدعوق اللي اسمه الحب.
كان هذا الحوار في أخر يوم لها في الجامعة. لمحت مازن من بعيد، كان ساكنًا ومستكينًا منذ ذلك اليوم، ودت لو تستطيع أن تغير من نفسها لكي لا تكسر بقلب أحد والأهم أن تغير من نفسها لنفسها، إلا أن محاولتها فشلت.

* * *


تركت مصر وسافرت مع والدها الذي يحضر قمة للأمم المتحدة في مهمة قصيرة لمدة ستة أشهر في باريس. لم تكن غريبة عن باريس، فهي تحفظ شوارعها وتعرف طباع ناسها. ظلت طوال ستة أشهر لا تفعل أشياء كثيرة سوى ممارسة رياضة الركض في الصباح الباكر في حديقة Bois de Boulogne وقراءة كتب رومانسية لأشهر الروائيين الفرنسيين.

تقرأ وتسرح بخيالها الواسع في عالم تعرف أنه غير حقيقي، تتمنى أن تعيش حياة مثل تلك القصص ولكنها تفوق من غفلتها؛ لأنها تدري أن كل ما كتب ما هو إلا من نسيج خيال الكتاب الذين يتمنون هم أنفسهم أن يعيشوا مثل تلك القصص فتخرج إبداعاتهم للنور، إلا أن حياتهم بقعة مظلمة لا عبق ولا نسيم فيها من تلك الكتابات.


* * *



ذات يوم كانت على جسر The Pont des Arts وهو أول جسر معدني يتم بناءه في باريس من عام 1802 إلى عام 1804 في عصر نابليون، الذي يمر من فوق نهر Seine. لم تكن تذهب لهذا الجسر إلا لكى تسرح بخيالها في الأقفال التي يضعها العشاق على السور المعدني للجسر. تجلس بالساعات هناك حتى الليل تشاهد الآلاف منهم فتتخيل قصة كل couple مرا من هنا ووضعا معًا القفل، يا ترى كيف التقيا، وهل تفرقا، هل هم سعداء أم تعساء الآن، ما هو السر الذي اتفقا عليه كل منهما ووعدا بعضهما البعض ألا يخلفانه، هل بقيا عليه أم أخلفه أحد الأطراف؟ كلها أسئلة تدور في ذهنها تنتهي أغلب الـ scenarios  بنهاية مأساوية.

أثناء غياب عقلها في العالم الآخر، مر من أمامها شاب في أواخر العشرينات كان يتحدث في المحمول وهو يسنده على كتفيه ليبحث بيديه في جيبه عن ورقة وقلم ليدون معلومة يبلغه به المتصل. سقط الهاتف منه أمام الفتاة إلا أن غيابها كان شديدًا لم يُسمعها صوت ارتطام المحمول على الأرض، حتى انتبهت له وهو قادم نحوها ويحمل الهاتف من على الأرض.
قال لها: Je suis désolé
قالت: Pas de problème

أخذ المحمول الذي انطفأ من على الأرض وما أن هم في الرحيل حتى أنتبه لوجود مجموعة شعرية بجواها لغادة سمان بعنوان "أعلنت عليك الحب".
      قال لها: أنتي عربية؟
      - أيوة.
مد يده لُيلقي السلام
     - زياد من مصر
     - ريمي مصرية
     - مش باين عليكي
ردت بابتسامة هادئة. تبادلا الحديث فعلمت أن والده المدير التنفيذي بإحدى الشركات المصرية في باريس. في نهاية الحديث طلب منها رقم هاتفها فاستحيت أن ترفض.
مر أسبوعان على هذا اللقاء وريمي تكاد تذكره، فبالرغم من صداقتها مع العديد من الناس إلا أنها تحافظ دوما على حدود علاقتها مع الشباب كي تحافظ على قلبها، فهي ترى أن الوقوع من أعلى جسر Millau الفرنسي الذي يبلغ ارتفاعه 343 مترًا أقل ألما من الوقوع في الحب. اتصل هو بها فردت عليه بهدوء وطلب منها اللقاء ومن هنا نشأت علاقة صداقة وثيقة بينهما. تبادلا الحديث عن كل شيء وتجنبت هي الأحاديث المتعلقة بالحب. ظلت علاقتهم علاقة صداقة لمدة شهر حتى جاء الحدث الذي غيّر مسار حياتها

* * *



ذات يوم اتصل زياد على هاتفها إلا أنها لم تجيب. ظل يحاول عديدًا حتى ترك على هاتفها أكثر من
10 missed calls. عندما رأت الهاتف اتصلت به فأجابها بخبر وفاة والده. حضرت العزاء وبدأ يحدثها عن تعلقه بوالده فظلت بجواره تحاول مواساته وتخفيف ما ألمّ له، فهي تعرف ماذا يعني الفراق.

كان لـ ريمي أخ أصغر منها بخمس سنوات تُوفي في أول سنة لها بالجامعة، كان هذا سبب مرض والدتها. حينما تُوفي رامي لم تضعف، ظلت هي صامدة من أجل أمها، واحتفظت لنفسها بآلام الفراق، وكانت تُخرج فجعها في قراءة الكتب حتى أزرفت أول دمعة لها ثم أجهشت بالبكاء حينما قرأت لأحلام مستغانمي "حدث أن أكتب له رسالة لا أنشرها. وحدهم من رحلوا يسمعون حيث هم صهيل صمتنا الاختياري احتراماً لصمتهم الأبديّ. ليس من الوفاء إشهاد الغرباء، عمّا نوشوشه للراحلين الذين أحبوننا".

ظل زياد في حالة حداد صامت لثلاثة أشهر، ثم بدأ يتنفس الصعداء بعد ذلك وكان باقي حينها على انتهاء فترة عمل والد ريمي في فرنسا شهرين. صارحها بتعلقه بها إلا أنه لم يكشف لها جزء كبير عن شخصيته حتى عبرت هي عن مدى خوفها من الزواج ومسئولياته.
قال لها: عارفه أغنية ماتخفيش بتاعت محمد منير؟
- آه مالها؟
- دي أغنيتي المفضلة
لم ترد
- أنا عارف إنك خايفة زي، وعارف إنك خايفة من عدم التوازن اللي الحب بيسببه. وعارف كمان إنك حساسة جدا ومش هنسى الستاتيس اللي كتبتيها على الـ Facebook "إن أسرع الإناث بكاء هي التي لا تستطيع شرح ما في قلبها". أنا مستوعب عدم قدرتك في التعبير عن اللي جواكي بس تعالي إحنا الاتنين نعين بعض ونقوي مع بعض.
لم تجد ريمي ما ترد به على زياد، كانت ساكنة وإن كانت تفتقد السكينة.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
 

Designed By Blogs Gone Wild!